بقلم: د. محمد سالمان
الحجّ إلى بيت الله الحرام، خامس الأركان، وتمام الإيمان، ومن حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من حجّه كيوم ولدته أمّه، نقيًّا من الذنوب، خاليًا من المعاصي. هذه الرحلة هي حلم العاصين، ورغبة المتقين، ودعاء الصالحين.
اقرأ أيضا| قراءة في كتاب تراثي" الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة " لابن ظهيرة
تناول العلماء الحجّ تأليفًا وتصنيفًا؛ فمنهم من تحدّث عن أركانه ومستحباته وسننه ومبطلاته، ومنهم من تحدّث عن الرحلة إلى بيت الله الحرام ومشقّة الطريق إليه واصفًا المدن التي نزل بها حتى بلوغ البيت. ولكن تقي الدين المقريزي تناول الحجّ من زاوية أخرى، وأزعم أنها من طرائف المؤلفات والمصنفات، ولذا كان كتابه "الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك". فالعنوان يُنبئ عن المحتوى، ولكن القارئ يجد فيه نُكَتًا ولطائف وحكايات وطرائف قلّما يجدها في كتاب غيره.
كتب المقريزي كتابه كي يهديه لصديق له من رجال الحكم المملوكي اعتزم الحجّ، وقد صرّح بذلك في مقدمة كتابه. والثابت أنه كتبه في شهر ذي القعدة عام 841هـ.
تحدّث الرجل أولًا عن الحجّ وبعض شعائره كالإفراد والقران والتمتع، وعن حجّ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسوق كثيرًا من اللطائف؛ كنداء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجّ في أول ذي القعدة، وأن هذا النداء يمثل سنة للمسلمين. فمسافة الحجّ من المدينة عشرة أيام، فقدّم النداء بثلاثة أمثالها، وقياسًا على هذا فإن النداء بالحجّ في مصر يكون في شهر رجب لأن مسافة الحجّ منها نحو أربعين يومًا، فيكون النداء بثلاثة أمثال المسير، وهكذا مع باقي المناطق.
وتحدّث عن توسعة البيت الحرام في عهد عمر بن الخطاب.
ولما تولّى الوليد بن عبد الملك كتب إلى واليه عمر بن عبد العزيز أن يوسّع في مسجد المدينة وأن يهدم بيوت زوجات النبي ويدخلها في المسجد، وأرسل له مائة ألف مثقال من الذهب ومائة عامل وأربعين حملًا من الفسيفساء.
وذكر أن طريق الحجّ من العراق إلى مكة كانت تُبنى فيه للخلفاء في كل منزل ينزلونه دارًا، يُعدّ فيها كل ما يحتاج إليه من ستور وفرش وأوانٍ وغير ذلك، ويُعيَّن لها موظف خاص للإشراف عليها يُسمّى "متولي المنازل".
ومن لطائف الكتاب أيضًا ما ذكره من أن الخليفة المهدي كان أول خليفة حُمِل إليه الثلج إلى مكة، وأنه أول من نزع عن الكعبة كسوتها القديمة ليحل محلها كسوة جديدة، وكانت قبله تُوضع الكسوة الجديدة فوق القديمة. وهو أيضًا أول من أقام البريد بين مكة والمدينة واليمن ـ بغالًا وإبلًا ـ ولم يكن هناك بريد قبل ذلك. وأن الخليفة هارون الرشيد حجّ ماشيًا من العراق، ولم يُعرف من ملوك الدنيا ملك حجّ ماشيًا سوى ملكين هما هرقل بن هرقل بن أنطونيس الذي حجّ من حمص إلى إيلياء، وهارون الرشيد من العراق إلى مكة.
ومن الحقائق التي ذكرها المقريزي أنه لم يحجّ من خلفاء العباسيين في بغداد أحد بعد هارون الرشيد، وأنه لم يُخطب لأحد من خلفاء العباسيين بالقاهرة على منابر مكة سوى المستعين بالله.
وتكمن أهمية الكتاب أيضًا في أنه يضم نصوصًا كثيرة ومهمة تعكس لنا النواحي الاجتماعية في عصر المماليك، ومن أطرفها وصف المواكب التي تصحب سلاطين المماليك عند خروجهم للحج، والاستعدادات الضخمة لتلك القافلة من مأكل ومشرب وملبس وغيرها، فالكتاب يقدم صورة واضحة عن الخلفاء والملوك الذين حجوا وقدّموا أعمالًا عظيمة أثناء أداء الفريضة خدمة للحجاج.
ذكر الرجل ستةً وعشرين خليفة ممن حجّوا البيت الحرام بدءًا من أبي بكر الصديق والخلفاء الراشدين؛ بعضهم كان يحجّ كل عام أثناء خلافته كعمر بن الخطاب وعثمان، وبعضهم حجّ مرة واحدة كعلي بن أبي طالب، وبعضهم حجّ ثماني مرات كعبد الله بن الزبير. وذكر أن خلفاء بني أمية لم يحجّ منهم أثناء الخلافة إلا خمسة فقط: معاوية وعبد الملك وأولاده الوليد وسليمان وهشام. أما الخلفاء العباسيون فلم يحجّ منهم إلا ثلاثة: أبو جعفر المنصور والمهدي وهارون.
أما خلفاء العصر العباسي الثاني فلم يفكروا في الخروج للحج، ربما لحياة الترف التي انغمسوا فيها، أو ربما لثورة القرامطة ونقل الحجر الأسود من مكانه. والغريب أن المقريزي لم يتناول خلفاء بني أمية في الأندلس، ولم يذكر أيضًا الفاطميين في مصر والمغرب.
اتبع الرجل في رواياته طرق الإسناد المعروفة، ذاكرًا مصادره إما بذكر الكتاب الذي نقل عنه أو باسم المؤلف.
والمقريزي هو تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر، يُكنى بأبي العباس، وُلد بالقاهرة عام 766هـ، وتوفي عام 845هـ، وله الكثير من التصانيف.



